محمد بن جرير الطبري
34
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أنه كان نصرانيا أربعين سنة ، ثم عمر في الإسلام أربعين سنة . قال : كان آخر أنبياء بني إسرائيل نبيا بعثه الله إليهم ، فقال لهم : يا بني إسرائيل إن الله يقول لكم : إني قد سلبت أصواتكم ، وأبغضتكم بكثرة أحداثكم ؛ فهنوا به ليقتلوه ، فقال الله تبارك وتعالى له : ائتهم واضرب لي ولهم مثلا ، فقل لهم : إن الله تبارك وتعالى يقول لكم : اقضوا بيني وبين كرمي ألم أختر لها البلاد ، وطيبت له المدرة ، وحظرته بالسياج ، وعرشته السويق والشوك والسياج والعوسج ، وأحطته بردائي ، ومنعته من العالم وفضلته ، فلقيني بالشوك والجذوع ، وكل شجرة لا تؤكل ؟ ما لهذا اخترت البلدة ، ولا طيبت المدرة ، ولا حظرته بالسياج ، ولا عرشته السويق ، ولأحطته بردائي ، ولا منعته من العالم فضلتكم وأتممت عليكم نعمتي ، ثم استقبلتموني بكل ما أكره من معصيتي وخلاف أمري لمه إن الحمار ليعرف مذوده لمه إن البقرة لتعرف سيدها وقد حلفت بعزتي العزيزة ، وبذراعي الشديد لآخذن ردائي ، ولأمرجن الحائط ، ولأجعلنكم تحت أرجل العالم . قال : فوثبوا على نبيهم فقتلوه ، فضرب الله عليهم الذل ، ونزع منهم الملك ، فليسوا في أمة من الأمم إلا وعليهم ذل وصغار وجزية يؤدونها ، والملك في غيرهم من الناس ، فلن يزالوا كذلك أبدا ، ما كانوا على ما هم عليه . قال : قال : فهذا ما انتهى إلينا من جماع أحاديث بني إسرائيل . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً قال : كانت الآخرة أشد من الأولى بكثير ، قال : لأن الأولى كانت هزيمة فقط ، والآخرة كان التدمير ، وأحرق بختنصر التوراة حتى لم يبق منها حرف واحد ، وخرب المسجد . حدثنا أبو السائب ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : بعث عيسى ابن مريم يحيى بن زكريا ، في اثني عشر من الحواريين يعلمون الناس . قال : فكان فيما نهاهم عنه ، نكاح ابنة الأخ . قال : وكانت لملكهم ابنة أخ تعجبه يريد أن يتزوجها ، وكانت لها كل يوم حاجة يقضيها ؛ فلما بلغ ذلك أمها قالت لها : إذا دخلت على الملك فسألك حاجتك ، فقولي : حاجتي أن تذبح لي يحيى بن زكريا ؛ فلما دخلت عليه سألها حاجتها ، فقالت : حاجتي أن تذبح يحيى بن زكريا ، فقال : سلي غير هذا فقالت : ما أسألك إلا هذا قال : فلما أبت عليه دعا يحيى ودعا بطست فذبحه ، فبدرت قطرة من دمه على الأرض ، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر عليهم ، فجاءته عجوز من بني إسرائيل ، فدلته على ذلك الدم . قال : فألقى الله في نفسه أن يقتل على ذلك الدم منهم حتى يسكن ، فقتل سبعين ألفا منهم من سن واحد فسكن . وقوله : وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يقول : وليدخل عدوكم الذي أبعثه عليكم مسجد بيت المقدس قهرا منهم لكم وغلبة ، كما دخلوه أول مرة حين أفسدتم الفساد الأول في الأرض . وأما قوله : وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً فإنه يقول : وليدمروا ما غلبوا عليه من بلادكم تدميرا . يقال منه : دمرت البلد : إذا خربته وأهلكت أهله . وتبر تبرا وتبارا ، وتبرته أتبره تتبيرا . ومنه قول الله تعالى ذكره وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً يعني : هلاكا . وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً قال : تدميرا . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً قال : يدمروا ما علوا تدميرا . القول في تأويل قوله تعالى : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا يقول تعالى ذكره : لعل ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم بالقوم الذين يبعثهم الله عليكم ليسوء مبعثه عليكم وجوهكم ،